post image

عَآم الحُزن

هُنا الوطن !
بدأت إجازتي الصيفية وها أنا أعود لألتَف حول جذع أُمّي
مَرّت علينا ظروفٌ صعبة مؤخراً فأسميت عامي هذا بـ “عَام الحُزن” وكم أتمنّى من الحنون أن يرحم ضعفنا ويُواسينا فيما أصابنا



قبل أشهُرٍ قليلة استقبلتُ إتصالاً من عائلتي مفاده أنه قد تم حجز مقعدي على أولى الرحلات العائدة للسعودية
كنت في منتصف الترم ، في منتصف التركيز، في منتصف الإنعزال الذي يبقيني بعيدة عن كل شيء إلّا الكُتُب والمشاريع

أخبروني أن جدّتي مريضة وأنه يجب عليّ أن أعود لرؤيتها .. ذهبت وقلبي يعتصر .. جدّتي بصحة ممتازة .. ترى مالذي يجري هناك ؟
كنت أتساءل طوال رحلتي إن كانوا كذبوا عليّ بمرض جدّتي محاولين إخفاء خبر أسوأ
كان قرارهم المفاجئ بأن أعود مُرعب وغامض ويحمل بين طيّاته الكثير من الاحتمالات

وصلت جدة وقلبي ينتفضُ رعباً .. لم أكن مستعدة أبداً لاستقبال خبرٍ تعيس لكن وجوههم أخبرتي قبل شفاههم أن مصيبةً ما تنتظرني
أستقبلوني أخوتي الثلاث .. احتضنتني أختي على باب المطار وقالتلي باكية: الله يرحمها
"انهرت .. صرخت .. تساءلت ألف مره “ايش ؟ ايش ؟ ستّو ماتت ؟ ايش ؟ ايش؟ لا ..لا
كانت حالةً هستيرية غريبة لم استطيع السيطرة عليها أو عليّ
جدّتي هي حبيبة عُمري ،، وارتباطي بها هي وجدّى يفوق أي ارتباط
كيف لي أن أتقبّل الحياة بلا جدّتي !
أخذوني إلى منزل جدّي وكان واقفاً يستقبل المعزيين .. اكملت انهياري حين رأيته .. لم أستطع استيعاب حقيقة أنه فقد حُب حياته وشمعة عمره ونصفه الأجمل


مرّت الأيام ثقيييييلة على صدري .. كنت أمر بحالات بكاءٍ هستيرية .. لا أنام ..
لا أشتهي الحياة .. لا أستطيع النظر إلى عينيّ جدّي المنكسرة

وما أن مر أسبوع حتى عدت إلى أمريكا من جديد لاستكمال الترم
لم أكُن مستعدة للعودة .. للوحدة .. للتركيز على حُلم التخرّج والتميّز.. توقّفت الأحلام
وأصبح همّي الوحيد أن أنتهي مما أنا فيه وأعود لأجالس جدّي وأعتني به
كنّا في المنتصف الأخير من الترم وكان يجب عليّ أن التحق ب فصلٍ صيفي لأتخرّج في موعدي العام المُقبل

كنت أعد الأيام والساعات والدقائق لأعود إلى جدة وأعتني بجدّي حبيبي وألتزم جواره
كنت أحادثه يومياً .. أرى وجهه، أغازله، أغمره بالحب والقبلات
كان رافضاً للحياه تماماً .. في كل مكالة يطلب منّي الدعاء له .. فأدعو أن يطيل الله في عمره ويحفظه لي فيمتعض ولا يؤمّن على دُعائي

كان قلبه قد فارقنا مذ فارقتنا حبيبة عمره .. لم يعد يطيق الحياه
كان يحدثها في نومه ويطمئنها قائلا: أنا قادم .. لن يطول فراقنا .. أنا قادم
هزل وتدهورت صحّته سريعاً إلى أن سقط من فراشه ذات ليلة .. شُجّ رأسه وأصيب ببعض الرضوض والكدمات
أخذته أمي للمستشفى فطمئنوها عليه وضمّدوا جراحه
و كأنه قد طلب من الله أن يُخفي عليهم نزيفه الدماغي كي يعجّل بالرحيل ويلقى حبيبته
استمر نزفه الدماغي لأسبوع دون أن يكتشفه الأطباء
وحين أكتشفوه وصفوا له الدواء وقالوا أن الموضوع تحت السيطرة .. إلى أن خرج عنها في لحظة وعاد به خالي للمستشفى فقرر الأطباء على عجالة تدخلاً جراحي “بسيط ، سهل ، سريع آمن”
دخل جدّي غرفة العمليات ليجري الجراحة “البسيطة، السهلة، السريعة والآمنة” لكنّه لم يفق بعدها

دخل في غيبوية وانتقل إلى عالم آخر .. ما أن سمعت بالخبر حتى حجزت هذه المره أنا على أولى الرحلات لـ جدة وعدت كي أرى حبيبي وأبقى إلى جانبه
وصلت من المطار إلى غرفة العناية المشددة
رأيته وعيناه محجوبتان عنّي بقطعتي قطن وهناك أنبوب ممتد إلى فمه لكي يتنفس وآخر من أنفه لكي يتغذى وألف سلك وتوصيلة تلف جسد حبيبي لتبقيه على قيد الحياه بعد إذن الله

مرّت عليّ أيامي الثلاثة معه وأنا ممسكة بكفة أضغط عليها .. أستجديه وألح عليه بأن يفيق ويقوى ولكن دون جدوى !
كان لا يستجيب أبداً .. إلى أن فاجأني ليلة وفاته بضغطه خفيفه على كفي مودّعاً .. وكان ذاك آخر وداع فُطر له قلبي ولم يلتئم

بعدها رأيته في مغسلة الأموات للمرة الأخيرة .. وأيقنت أن أبيض الوجه والصفات رحل
أبيض الوجه والصفات رحل .. أبيض الوجه والصفات رحل .. وانطفأ نوري الأخير

رحيلهم أشقاني .. وما زلت عاجزة عن فهم مهيّة الموت
ما زلت عاجزة عن مصالحة الحياة من بعدهم
ما زلت أبحث عن بقاياهم في كل الأرجاء والأنحاء
ما زلت أرجو الله أن يلطف بنا وأن يُرضّينا بما كتب علينا
ما زلت ألهج بالدعاء لهم وأرجو ألا يطول فراقنا

إلى جنّات الخُلد يا أجمل وأطهر مَن سكن فؤادي
إلى أن نلتقي بإذن الله على سرر مُتقابلين تحت عَرش الرحمن الرحيم

Author

people comment

Ghadeer Helal

29 June 2016

A saudi Graphic Designer. An artist inside .. I see it in my mind .. I feel it with my heart.. I see Art .. I make art!. I'm Interested in photography, writing, poetry, calligraphy, music, baking, and traveling. I got my certificate in Design and Visual arts from Unitec New Zealand... And currently I'm studying at Philadelphia University to get my Bachelors in Graphic Design and communication. I have a reality, most people think it is far away, but I believe it is reachable and handy .. I was created to succeed, to give, to grow and to sustain. I have a reality... A dream evolving into reality